Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

مرحبا بكم في:

الموقع الشخصي للأستاذ - رشاد الصغير -

فضاء بعث و تنمية المشروعات الفردية و المؤسسات الصغرى و المتوسطة في الوطن العربي

البنوك العمومية بين الاندماج والخوصصة

البنوك العمومية بين الاندماج والخوصصة

ﻧﺸﺮ ﺑﺠﺮﻳﺪة اﻟﻀﻤﻴﺮ ﻋﺪد 78 ﺑﺘﺎرﻳﺦ 18 أﻓﺮﻳﻞ 2013

رشاد الصغير

خبير بنكي

رئيس جمعية نادي رواد المشروعات الشبابية

أعلن محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري، أن إمكانية التفويت في الشركة التونسية للبنك والبنك الفلاحي وبنك الإسكان، إلى الخواص واردة خلال هذه الفترة. وأضاف خلال ندوة صحفية انعقدت الاثنين غرة أفريل 2013 بمقر البنك المركزي، أن عملية التفويت تهدف إلى إنشاء قطب بنكي خاص. وقد  أشار في مناسبة سابقة أن الصعوبات التي تمر بها البنوك العمومية دفعت بالبنك المركزي في الشروع في برنامج إعادة هيكلة القطاع المصرفي من خلال إطلاق الدولة لطلب عروض دولي يوم 23 أوت  2012 للقيام بمهمة تدقيق خارجي شامل يخص البنوك العمومية الثلاثة ، وتتضمن هذه المهمة حسب البنك المركزي مرحلتين:

المرحلة الأولى: تدقيق تشخيصي، للوقوف على جميع النقائص والإخلالات على المستوى المالي والتنظيمي والعملياتي والإداري.

المرحلة الثانية: إرساء برنامج تطوير استراتيجي يمكّن الدولة من تحديد الخيارات فيما يتعلق بالآفاق المستقبلية لهذه البنوك.  ووفق ذلك سيتم إما خوصصة هذه البنوك بصفة كلية أو جزئية، أو دمجها في مؤسسة مصرفية عمومية موحدة.

فإن اختزل الحديث عن الإصلاح البنكي في العهد البائد في فكرة اندماج البنوك العمومية فيما بينها، فقد أضيف إليه بعد الثورة خيار الخوصصة.


لنلقي نظرة على الجهاز المصرفي التونسي:

يرجع تاريخ قيام القطاع المصرفى التونسي الى أواخر القرن التاسع عشر قبل انتصاب الحماية الفرنسية على بلادنا، حيث أسست عدة مصارف، كالبنك الفرنسي التونسي سنة 1879، والقرض العقاري للجزائر وتونس ” Crédit Foncier d’Algérie et de Tunisie ” الذي قام بفتح فرع له في حاضرة تونس سنة 1880. وقد سخر القطاع أنذاك لصالح المعمّرين وأنشطة الشركات الفرنسية. ولم يظهر أول بنك ذى رأسمال تونسي إلا سنة 1922، عندما أسس عدد من التجار شركة قرض تعاونية.

حاليا، يمكن تلخيص أهم خصائص ومكونات القطاع المصرفى التونسي فيما يلى :

  • يتكون القطاع البنكي التونسي من البنك المركزي و 21 بنكا تجاريا مقيما و8 بنوك غيرمقيمة إضافة لبنكي أعمال.
  • يخضع النشاط البنكي في مجمله لقانون 2001-65 الصادر في 10 جويلية 2001.
  • تعمل البنوك تحت إشراف البنك المركزي التونسي، الذي يشكّل السلطة النقدية الناظمة لعمل البنوك في البلاد.
  • تلعب البنوك دوراً أساسياً في الاقتصاد الوطني حيث لا تزال مهيمنة على النظام المالي، باعتبارها المموّل الرئيسي للأفراد والمؤسسات.
  • تقدر القروض المتعثرة في القطاع البنكي بـ 10 مليار دينار، بنسبة 19 % من مجمل القروض البنكية.
  • يبلغ المجموع الكلي لعدد فروع البنوك نحو 1.424 فرعا بحساب فرع لكل 7496 ساكن. هذه النسبة تتراوح بين فرع لكل 2.933 نسمة بولاية تونس وفرع لكل 27.313 نسمة بولاية القصرين.
  • يشغل القطاع ما يقارب تسعة عشر ألف عون وإطار.
  • تقدر عدد الحسابات بأكثر من ستة ملايين حساب ( إيداع، جارية وادخار).

أبرز سمات القطاع:

يتميز القطاع المصرفي التونسي بالاستقرار والنمو المستدام والنظرة المحافظة والإدارة البيروقراطية والتقليدية. ومن أبرز خصائصه:

  1. 1 _ ربحية مرتفعة بالرغم من سوء الإدارة وتفشي الفساد. ويرجع ذلك بالأساس إلى شطط نسب العملات والفوائد التي تفوق في مقاديرها مثيلاتها في كثير من بلدان الإتحاد الأوروبي ومنطقة العالم العربي وشمال إفريقيا (MENA). ففلسفة القطاع تقوم على تعظيم الأرباح وليس تمويل التنمية. فقد كانت النتيجة الصافية للقطاع البنكي في سنة 2009 تقارب النصف مليار من الدنانير. كذلك حل ستة رؤساء ومدراء عامين لبنوك خاصة مقيمة في المراتب التسعة الأولى للمسؤولين الذين يتقاضون أعلى الأجور في تونس لسنة 2012
  1. 2 _ خدمات بجودة متدنية، وتوغل على الأجراء والموظفين وصغار الحرفيين والمؤسسات الصغيرة وغيرهم من ضعاف الحال. وذلك راجع لغياب الشفافية وانتشار المحسوبية وضعف المنافسة الحقيقية بين البنوك.

هل الاندماج الحل السحري للبنوك العمومية؟:

تعتبر فكرة ” الاندماج البنكي ” ابرز الاقتراحات تداولا على الساحة المالية التونسية ، خاصة فيما يتعلق بإعادة هيكلة البنوك العمومية الثلاثة الكبرى. حيث اعتبره البعض هدفا في حد ذاته وتجاوبا مع موجة العولمة، بالرغم من أن هذه ظاهرة لم تحقق النتائج المرجوة.

مفهوم الاندماج:

يعرف الاندماج البنكي على أنه العملية التي تؤدي إلى الاستحواذ على بنك أو أكثر بواسطة مؤسسة مالية أخرى. وينقسم الاندماج إلى أنواع منها:

الاندماج الأفقي: وهو الذي يتم بين بنكين أو أكثر، يعملان في نفس نوع النشاط،، كإمكانية دمج الشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان والبنك الوطني الفلاحي.

الاندماج المتنوع: وهو الذي يتم بين بنكين أو أكثر، يعملان في أنشطة مختلفة، كأن يتم الاندماج بين بنك تجاري وبنك استثماري. كعملية الدمج التي تمت سنة 1999 والتي استحوذت فيها الشركة التونسية للبنك على بنك التنمية بالبلاد التونسي والبنك الوطني للتنمية السياحية. وبالرغم من الوجاهة النظرية لهذا النوع من الاندماج، فقد كان كارثيا على الشركة التونسية للبنك، إذ فقد البنك على إثره، مركزه الريادي كبنك أول على الساحة الوطنية، وتدهورت مؤشراته – كمؤشر القروض المعدومة – وصار الآن مهددا بالاستحواذ والخوصصة.

دوافع الاندماج:

تتلخص دوافع الاندماج في نظر المدافعين عنه في عدد نقاط من أهمها:

  1. 1 _ العدد الكبير للبنوك العاملة في الساحة التونسية بالنظر إلى عدد السكان:

ليست العبرة بقلة العدد وكثرته، بل بمدى مساهمة البنك في تمويل التنمية. ففي لبنان البلد ذا الأربعة ملايين نسمة، يوجد لديه أكثر من 70 بنك، ومع ذلك عارض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة سنة  2011 الاندماج بين البنوك الكبرى في البلاد. فبالرغم من الزعم بالكثرة العددية للبنوك التونسية، تستأثر خمسة بنوك بثلثي النشاط المصرفي، مما يدل على تمركز حاد وغياب المنافسة.

  1. 2 _ خلق بنوك عملاقة تستطيع تمويل المؤسسات الكبرى:

السؤال الذي يطرح نفسه، هل الاقتصاد التونسي يعج بالمؤسسات العملاقة ليحتاج لبنوك عملاقة؟. فاقتصادنا مكّون في اغلبه من مؤسسات صغرى ومتوسطة. فالحديث عن بنك عملاق كان متداولا قبل الثورة، لتسهيل شفط كل إمكانيات القرض والسيولة من ناحية – تمويل طموحات العائلات النافذة في النظام السابق-، والقيام بعملية تنظيف مخلفات التجاوزات، من ناحية أخرى.

فسياسة العملقة الاصطناعية على حساب الإصلاح الحقيقي للقطاع في هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، من شأنه أن يتسبب بأضرار مباشرة على الاقتصاد الوطني. ففي العهد القريب انهارت مؤسسات بنكية ومالية عملاقة كبنك LAHMAN BROTHERS، مما اضطر السلطات الأمريكية آنذاك للتدخل لمنع المزيد من انهيارات البنوك العملاقة. فالبنك التونسي مؤسسة صغيرة الحجم لكنها من القوة والصلابة مما يجعلها تتصدر ترتيب البنوك التونسية من حيث النتائج والمؤشرات. وقد أثبت هذا البنك قدرته على الحياة والاستمرار منذ نشأته سنة 1884. وعليه لا يمكن القول بأن البنك العملاق أكفأ وأقدر من البنك الصغير أو المتوسط.

  1. 3 _تحقيق وفرات اقتصادية (économie d’échelle)أي الزيادة في الأرباح وفي معدلات النمو وتقليص الكلفة وغيرها من مكاسب وفرات الحجم.

في واقع الأمر ليس هناك ما يدل بعد أكثر من عشر سنوات من استحواذ الشركة التونسية على بنك التنمية بالبلاد التونسي والبنك الوطني للتنمية السياحية، على أن الاندماج حقق وفرات اقتصادية للشركة، بل بالعكس زادت البيروقراطية وتشعبت خطوط اتخاذ القرار وارتفعت كلفة الخدمة البنكية.

إضافة إلى هذه النقاط، يزعم أن الاندماج  يسمح في زيادة قاعدة رأس المال، كسب حرفاء جدد، السيطرة على السوق، التحكم في المخاطر، تحسين المؤشرات، خلق منتجات بنكية جديدة، إحلال كيان إداري بدرجة أعلى من الكفاءة…

سلبيات الاندماج:

لعل أهم سلبيات ومخاطر الاندماج تتمثل فيما يلي:

  • تغطية المشاكل الحقيقية للقطاع، وذلك بإعادة صياغة مؤشرات جديدة تستجيب لمتطلبات الحوكمة الرشيدة بنفس المعطيات القديمة.
  • عدم اهتمام البنوك الكبيرة بالمؤسسات الصغرى والمتوسطة، والتي تمثل أغلب مكونات الاقتصاد الوطني.
  • خلق مناخ احتكاري يحد من الاختيارات المتاحة أمام المودعين و المقترضين، أفرادا ومؤسسات.
  • اختلال القطاع في إقصاء المنافسين.
  • اختفاء وازع الجودة والتطوير.
  • خسارة الحرفاء.
  • انخفاض عدد الفروع.
  • ارتفاع البطالة نتيجة تسريح الأعوان والإطارات.

الإصلاحات:

لكي يواصل القطاع البنكي دوره في البناء والتنمية، ولكي يستطيع الاستجابة للمتغيرات التي تفرضها مختلف التطورات المحلية – كمتطلبات الثورة في التشغيل والتنمية الجهوية -، والدولية – كالعولمة وتحرير الخدمات المالية -، نوصي بما يلي:

  1. الالتزام بالمعاير الدولية في إدارة البنوك، خاصة مقررات بازل وتوصيات المؤسسات الدولية، لأنها ضرورة وليست خيارا أو اجتهاد شخصي. فبعد ثورة 14 جانفي شهد القطاع البنكي تراخيا في التحضير لتطبيق مقررات بازل، فحسب نشرة البنك الإفريقي

Estimation des coûts et des avantages de la mise en œuvre des accords de Bâle III dans les économies émergentes  Nord-africaines : Application à l’Égypte et à la Tunisie ،

فإن القطاع البنكي التونسي متأخر في هذا المجال مقارنة مع القطاع المصرفي المصري الذي شهد هو الآخر ثورة. فقد أعلن البنك المركزي المصري منذ بضعة أشهر بدء العمل بالتعليمات التنفيذية لتطبيق مقررات اتفاقية بازل 2، اعتبارا من نهاية السنة المالية 2012. وذلك في ضوء النتائج الايجابية التي تحققت خلال برنامج الإصلاح المصرفي  المصري فضلا عن صمود الجهاز المصرفي أعقاب إحداث 25 جانفي 2011. مع العلم أن التأخير في التقيد بمقررات بازل ليس في صالح جهازنا البنكي ولا في صالح الاقتصاد الوطني وستكون من نتائجه تواصل التخفيض في الترقيم السيادي للبلاد.

  1. إعادة التفكير في الفلسفة النظرية للقطاع، وبلورة نظرة إستراتجية على المدى المتوسط والبعيد، لتأسيس قطاع في خدمة البلاد و العباد وليس لجني الأرباح فقط،  قادر على المساهمة الفعالة في تأسيس مجتمع حضاري متطور.
  1. 1 _ ترك كامل الحرية للبنوك الخاصة في الاندماج  من عدمه.
  1. 2 _ إعادة النظر في سياسة ” شمولية البنوك ” التي أضرت بالاقتصاد الوطني.
  1. 3 _ فتح المجال المصرفي على البنوك الاستثمارية الأجنبية.
  1. 4 _ يجب على البنك المركزي الاهتمام بدوره في مراقبة البنوك، وقد أشارت بعثة صندوق النقد الدولي في شهر جويلية 2012 إلى  ضعف الرقابة وضرورة تبني قواعد وقوانين أكثر صرامة.
  1. 5 _ تشجيع الادخار وخلاص الدّين قبل الآجال. فالمنظومة المصرفية والمحاسبية في بلادنا تشجع التدّاين والمحافظة على استمراره.
  1. 6 _ إصلاح منظومة القروض الصغرى.
  1. 7 _ دعوة التونسيين المقيمين في تونس، لتصفية حساباتهم في الخارج بالعملة الصعبة، في مدة محددة وتفعيل تجريم الاحتفاظ بحسابات في الخارج للتونسيين المقيمين في تونس.

أما فيما يتعلق بالبنوك العمومية الثلاثة الكبرى، فإننا لا نشاطر الجدل حول موضوع اندماج البنوك العمومية أو خوصصتها كحل لمشاكلها. فالاندماج والعملقة لن يؤدي بالضرورة إلى إنشاء بنوك قوية وناجحة. فالحلول يجب أن تتركز على معالجة الأسباب الحقيقية لتعثرها من ناحية والمحافظة على خصوصيتها في تمويل القطاعات التي أنشأت من اجلها من ناحية أخرى.

وفي هذا الصدد نقترح جملة من الحلول للقطاع البنكي ذا المساهمات العمومية:

  1. 1 _ خوصصة البنوك ذات الرأس المال التونسي العربي، وتوجيهها إلى العمل الاستثماري، والسماح للبنوك الخاصة ذات الرأس المال الأجنبي بتعين مسؤولين من ذوي الجنسية الأجنبية وذلك بتنقيح الفصل 27 من قانون عدد 65 لسنة 2001 المؤرخ في 10 جويلية 2001 المتعلق بمؤسسات القرض.
  1. 2 _ دعم استقلالية البنوك العمومية عن وزارة المالية و البنك المركزي، ومراجعة نظم إدارتها كالفصل بين مهام رئيس مجلس الإدارة ومهام المدير العام، والامتناع عن تسمية موظفي الإدارة العمومية و البنك المركزي على رأس هذه المؤسسات.
  1. 3 _ القطع مع التسميات الاعتباطية على رأس البنوك العمومية والبنوك ذات الرأس المال التونسي العربي.
  1. 4 _ إعادة هيكلة رأس المال وتجميع مساهمات المؤسسات العمومية، وإلحاقها بصندوق خاص للتصرف.
  1. 5 _ إعادة توجيه البنوك العمومية للاختصاص الذي بعثت من أجله، فالاتجاه نحو البنوك الشمولية لغا شخصية البنوك العمومية، وأفقدها تميزها، وأبعدها على خيار التنمية.
  1. 6 _ إعفاء كل من تعلقت به شبهة فساد من خطة وظيفية، والقطع مع ثقافة الرداءة.
  1. 7 _ إعادة الهيكلة وإصلاح وتحسين أداء ما تبقى من الشركات المتفرعة عن البنوك العمومية (Filiales) والتي شهدت خرابا ممّنهجا منذ سنوات عدة.
  1. 8 _ تطوير مهارات العنصر البشري، التي شهدت تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة.

الخاتمة

عملية التدقيق الداخلي أو الخارجي للبنوك العمومية لن تضيف شيئا جديدا سوى الحصول على مبررات للخوصصة والاندماج. إن المرحلة الراهنة تتطلب من القطاع المصرفي التونسي بذل جهد أكبر في تمويل التنمية وخلق فرص العمل، ولن يتسنى ذلك إلا بإصلاحات جذرية وحقيقية تقطع مع الرداءة وسياسة التجميل والهروب إلى الأمام.

إضافة تعليق

(0 Comments)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.